السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
37
مفاتيح الأصول
بما يوجب اختلاف المصلحة كالاختيار والاضطرار والحضور والسفر والعلم والجهل فذلك مما لا ريب فيه ومن المعلوم أن اختلاف الاصطلاح من قبيل قسم الأول فإنه لا يقتضي اختلاف مصلحة التكليف بوجه فلا يكون سببا لاختلافه فإن قلت قد يختلف حكم الشيء الواحد باختلاف التسمية واختلاف العرف والعادة فإن المكيل والموزون والمعدود لا يصح بيعه إلا بما جرت العادة به كيلا ووزنا وعدّا وإذا تغيرت العادة فيه تغير الحكم وجاز بيعه من دون ذلك وكذا لو جرت العادة بتقديره في بعض الأماكن دون بعض فإنه يجب التقدير في محل العادة دون غيره وأيضا فإن المأكول والملبوس أي ما جرت العادة بأكله أو لبسه لا يصحّ السجود عليه ولو فرض تغير العادة في ذلك جاز وكذا لو جرت العادة بأكله أو لبسه في بعض المواضع دون بعض مع انتفاء الغلبة فإن الحكم الشرعي فيه يتبع العادة أيضا قلت اختلاف الحكم باختلاف التسمية مسلم إذا حدث في الشيء تغيير يمكن استناد الاختلاف إليه ولو في الصفات الاعتبارية كما في الأمثلة المذكورة وأما إذا اختلف تسمية الشيء لا لأمر فيه يوجب الاختلاف بل لمجرد الوضع والاصطلاح فإن ذلك لا يقتضي اختلاف الحكم قطعا ولذا لو فرضنا تغير العرف في الألفاظ بأسرها لم يلزم سقوط الأحكام فإن حكم الماء الطهورية وإن سمّي بغير الماء وحكم الصلاة الوجوب وإن سميت بغيرها وقول الفقهاء في كتبهم الاستدلالية إن الأحكام لا تختلف باختلاف التسمية ناظر إلى هذا القسم من الاختلاف وقولهم الأحكام الشرعية تتبع الأسماء ناظر إلى القسم الأول فاعرف ذلك هذا كله إذا كان اصطلاح المتكلم في اللفظ معلوما وأما إذا كان مشتبها فإن أمكن تحصيله بالتتبع والاجتهاد وجب ذلك إلا إذا اتحد عرف المخاطب وقلنا بتقدمه فيرجع إلى صورة العلم وإلا فهل يجب فيه الرّجوع إلى اصطلاح المخاطب وإن قلنا بتقديم عرف المتكلم مع العلم أو التوقف في ذلك مع العلم بالمغايرة لحصول الإجمال في المراد احتمالان أصحّهما الثاني لأن ما يقتضي تعيين عرف المتكلم يقتضي الحمل عليه مطلقا ولو مع الجهل وحينئذ فلا إشكال في اتحاد المعنى المراد من اللفظ وإن قلنا بتقديم عرف المخاطب فإن كان متحدا وإلا وجب الحمل على البعض لما يلزم الحمل على الجميع من المفاسد فيتحقق الإجمال أيضا وقد علم بما ذكرنا أن الواجب حمل الخطاب الشرعي على عرف المتكلم أو المخاطب مع اتحاده أو قيام القرينة على تعيينه مع التعدد وأنه بدون ذلك يبقى الكلام مجملا فيلحقه حكم الإجمال ولا يصح حمله على الاصطلاحات المختلفة على كل حال ثم لو قلنا بذلك فهو إنما يصحّ فيما إذا توجه الخطاب إلى أرباب الاصطلاحات المختلفة بأن يكونوا موجودين في زمان الشارع حاضرين حال صدور الخطاب فلو كان الحاضر في زمان الصّدور بعضهم وكان الباقون معدومين أو غائبين عن مجلس الخطاب لم يصحّ الحكم بإرادة الجميع قطعا لاختصاص الخطاب بالموجود الحاضر وعدم تناوله المعدوم والغائب كما أشرنا إليه وحينئذ فأمر الحكم المذكور هيّن جدّا إذ لا يظهر له فائدة بالنسبة إلينا أصلا وإنما هو تحقيق لحكم الحاضرين خاصة وهو ليس بمهمّ لنا لا يقال العلم بتكليف الحاضر طريق إلى العلم بتكليف الغائب فتحقيق الحال فيه مهم من هذه الجهة لأنا نقول العلم بتكليف الحاضر أنما كان طريقا إلى العلم بتكليف الغائب لأصل اشتراك التكليف والبناء عليه هنا هدم لأصل الحكم في حق الحاضر فلا يصحّ البناء عليه لاستحالة بناء الفرع على ما يبطل به الأصل وأيضا فإن العلم بتكليف الحاضرين في هذه الصورة موقوف على العلم بتحقق الاصطلاحات المختلفة في زمان الصدور والعلم بحضور أربابها في مجلس الخطاب وهو مما لا يكاد يتحقق في هذا الزمان فإن اختلاف الاصطلاح وتعدده في زماننا لا يقتضي الاختلاف والتعدد في زمان الصّدور والتمسك في ثبوته بأصل عدم النقل معارض هنا بأصل اتحاد الوضع ولو قيل بالاقتضاء فيه أو خصّ الحكم بما إذا علم ولو بالنقل فاختلاف الاصطلاح في زمان الصّدور لا يقتضي حضور أرباب الاصطلاحات المختلفة في مجلس الخطاب فإن الأصل عدم الحضور والاجتماع والحكم بتعدد المعنى في الخطاب موقوف عليهما على أنه لو ثبت الحضور والاجتماع فتكليف الحاضرين بمقتضى اصطلاحاتهم لا يوجب تكليف الغائبين كذلك إلا إذا ثبت أن وحدة الاصطلاح تقتضي وحدة التكليف ولم يثبت ذلك فإن الأدلة إنما دلت على اشتراك التكليف بين المكلفين واشتراك التكليف بينهم لا يقتضي كونه بهذا الوجه كما هو واضح وعلى الثاني أولا أنا نختار شقا رابعا هو الحمل على عرف المتكلم واصطلاحه وحينئذ فلا يلزم تعدد المعنى في الخطاب ولا شيء من المفاسد المذكورة في الدليل هذا إن أريد من المعنى الخارج الذي أبطله المستدل ما عدا عرف المتكلم وإلا فالجواب باختيار الشق الثالث وثانيا أنك قد عرفت بطلان إرادة المعاني المختلفة من الخطاب الشرعي لما يلزمه من المفاسد وإذا شارك هذا الوجه غيره في الفساد تعين الإجمال في اللفظ ووجب التوقف في تعيين المراد إلى ورود القرينة المعينة كما في المشترك وثالثا أنا لا نسلَّم اتحاد المعنى المراد من كل طائفة فإنه متى وجب على كل طائفة حمل الخطاب على ما يفهمونه وجب على الجميع الحمل على الجميع لاشتراك التكليف وعمومه